الجصاص

574

أحكام القرآن

من الإثم . قال أبو بكر : صوب الله الذين قطعوا والذين أبوا وكانوا فعلوا ذلك من طريق الاجتهاد ، وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب . وقد روي عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : " أغر على أبني صباحا وحرق " . وروى قتادة عن أنس قال : " لما قاتل أبو بكر أهل الردة قتل وسبي وحرق " . وروى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال : " لما تحصن بنو النضير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخلهم وتحريقه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت ترضى بالفساد ! فأنزل الله : ( ما قطعتم من لينة ) الآية " . وروى عثمان بن عطاء عن أبيه قال : " لما وجه أبو بكر الجيش إلى الشام كان فيما أوصاهم به ولا تقطع شجرة مثمرة " . قال أبو بكر : تأوله محمد بن الحسن على أنهم قد علموا أن الله سيغنمهم إياها وتصير للمسلمين بوعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بفتح الشام فأراد عليهم أن تبقى للمسلمين ، وأما جيش المسلمين إذا غزوا أرض الحرب وأرادوا الخروج فإن الأولى أن يحرقوا شجرهم وزروعهم وديارهم ، وكذلك قال أصحابنا في مواشيهم : " إذا لم يمكنهم اخراجها ذبحت ثم أحرقت " ، وأما ما رجوا أن يصير فيئا للمسلمين فإنهم إن تركوه ليصير للمسلمين جاز وإن أحرقوه غيظا للمشركين جاز ، استدلالا بالآية وبما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أموال بني النضير . وقوله تعالى : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ) الآية . الفئ الرجوع ، ومنه الفيء في الإيلاء في قوله : ( فإن فاؤوا ) [ البقرة : 226 ] ، وأفاءه عليه إذا رده عليه . والفيء في مثل هذا الموضع ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك ، فالغنيمة فيء والجزية فيء والخراج فيء لأن جميع ذلك مما ملكه الله المسلمين من أموال أهل الشرك . والغنيمة وإن كانت فيئا فإنها تختص بمعنى لا يشاركها فيه سائر وجوه الفيء ، لأنها ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بالقتال ، فمنها ما يجري فيه سهام الغانمين بعد اخراج الخمس لله عز وجل ، وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال : " كانت أموال بني النضير فيئا مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله " . قال أبو بكر : فهذا من الفئ الذي جعل الأمر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لأحد فيه حق إلا من جعله له النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله ويجعل الباقي في الكراع والسلاح ، وذلك لما بينه الله في كتابه وهو أن المسلمين لو يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب ولم يأخذوه عنوة وإنما أخذوه صلحا وكذلك كان حكم فدك وقرى عرينة فيما ذكره